شكّل العام 2019 نقطة انعطاف حاسمة وحافلة بالتحديات على معظم الجبهات، سواءً ما يتعلق بالسياسة، أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو الإعلام التقليدي، أو فيما يخص المؤثرين وصناع التغير، أو حتى فيما يتعلق بالكوارث الطبيعية، إذ اجتمعت هذه التحديات كلها تحت إطار مشترك اتسم بنوع من "فقدان الثقة".

ومن المستبعد تراجع موجة التغيير والتطوير "غير المستقرة" مع بداية هذا العقد، الأمر الذي من شأنه التأثير وبشكل مباشر على مسؤولي التواصل، ما يرسم أمام مسيرة نموهم ليصبحوا محترفين ومتمرسين طريقاً مليئاً بالتحديات، كما أن موجة التغيير تسير بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة في جميع القطاعات، ويعزى الفضل بذلك إلى التقدم الهائل والسريع الذي تشهده التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي.

وسيتطلب هذا الأمر من مسؤولي الاتصالات إنجاز المزيد من المهام التي تتعدى نطاق تخصصهم، لتشمل العلاقات العامة، والتسويق، واتقان استعمال التكنولوجيا الحديثة، والتنقل فيما بينها بسهولة ومرونة كبيرة. فقد كشفت نتائج تقرير عالمي صادر عن منصة Talkwalker أن وكالات العلاقات العامة لم تعد تستند على العلاقات الإعلامية كخدمة رئيسية تعمل على تقديمها، فقد أظهر التقرير أن أكثر من 50 بالمائة من المشاركين في هذه الدراسة يقدمون خدمات إدارة وسائل الإعلام الاجتماعية، وتسويق المحتوى، وتسويق الجهات النافذة، وبناء شبكة من الروابط المتينة لكبار المسؤولين التنفيذيين.

كما سيتوجب على مسؤولي الاتصالات العمل عن كثب مع العملاء من أجل بناء سمعة ومكانة العلامة التجارية، ومن أجل تحقيق الطلب على منتجاتهم وخدماتهم في الوقت ذاته. كما إن عمليات العلاقات العامة والتسويق سترتبط بدرجة أكبر مع خبراء العلاقات العامة الذين ينبغي عليهم التحلي بالخبرة الكافية في مجال التسويق، وقراءة الأفكار، وتقديم التوصيات اللازمة، مع طرح وإدارة خطط التواصل المتكاملة على امتداد مختلف القطاعات.

وسأعمد هنا إلى التركيز على المجالات الرئيسية التي أعتقد بأنها ستحدد ملامح بيئة عمل مسؤولي الاتصالات خلال العام 2020، والسنوات التي تليه:

الثقة: بناء الثقة مع شريحة الجمهور المستهدفة ستحظى بالأولوية من قبل الشركات، والتي ستبرز من خلال استراتيجيات الاتصالات الخاصة بهم خلال العام 2020، ومن أقوى الطرق المتبعة لتحقيق ذلك تكمن في اعتبار أنفسهم/المتحدثين بمثابة خبراء متمرسين وذوي مكانة، فصاحب الرأي "السديد" والنفوذ هو ما يرغب الجميع بالاستماع إليه.

ويعد المحتوى من العوامل الأخرى المساهمة في بناء الثقة، والذي تطرحه الشركات للمشاركة. لذا، يجب أن يكون ذا صلة، وموثوق، ومفيد بالنسبة للجمهور المستهدف. وفي ظل مناخ التغيير المستمر والأخبار العاجلة السائد حالياً، يتعين على الحكومات والشركات والأفراد التحلي بدرجة أكبر من الإنسانية، والمصداقية، والاستجابة. وعليه، سيعمل كبار مسؤولي الاتصالات على تحديد الأولويات، والتأكيد عليها، في سياق توصياتهم للعملاء، وخلال وضعهم لخطط حملاتهم الترويجية.

تسليط الضوء على تفاصيل النشرات: سيلعب هذا الأمر دوراً جوهرياً في رسم وتحديد العلاقات بالنسبة للشركات المتخصصة بالأعمال والخدمات الموجهة للأعمال (B2B) خلال العام 2020، حيث سيتم العمل على تعزيز وظائف قنوات وسائل الإعلام المتخصصة، ومصادر الأخبار مثل النشرات الإخبارية، ومجموعات الفيسبوك المغلقة، وعناوين القطاعات الرئيسية والمتخصصة، والمجموعات على موقع التواصل الاجتماعي لينكد-إن، وصفحات التواصل الاجتماعي الأخرى. وستتيح هذه الفرص للشركات إمكانية إبراز تعاطفها ومدى أصالتها، انطلاقاً من كونهم سيتواصلون مع أشخاص على معرفة مسبقة ومهتمين بالمحتوى الذي يتم مشاركته. فالأمر يتعلق برفع حدة الصوت والتحدث علناً كجهة مسؤولة ونافذة في موضوع أو قضية تحمل أهمية خاصة للمجتمعات المحلية والإقليمية.

من جهة أخرى، هناك عدد متنامي من المنشورات الصغيرة التي يتم نشرها عبر قنوات توزيع صغيرة أيضاً، إلا أنها تتميز بالدقة والوضوح، وغالباً ما تكون مقبولة بدرجة كبيرة من قبل قادة الفكر والأخبار ذات الصلة. لذا، فإن إدراج هذه العناصر ضمن استراتيجية العلاقات الإعلامية للشركة من شأنه توسيع نطاق انتشارها ونفوذها بين أقرانها، وبين العملاء المحتملين.

الحبكة هي جوهر الموضوع: جميعنا يعلم بأن صناديق البريد الوارد الخاصة بالصحفيين تعج يومياً بالمقالات والبيانات الصحفية، لذا ينبغي على مسؤولي العلاقات العامة العمل بجدية أكبر، وبمستوى أكثر ذكاءً، لإظهار محتوى عملائهم بصورة أكثر تشويقاً، وتأثيراً، وجاذبيةً، حيث سيتوجب عليهم إعداد محتوى جاهز وقابل للنشر مباشرةً، بما يتماشى مع أسلوب المنشورات، وشريحة القراء المستهدفين، ونمط الأخبار. وهذه الخطوة لا تقدر بثمن عندما يتعلق الأمر بتوطيد العلاقات وترسيخ الاحترام المتبادل مع الصحفيين، إلى جانب تأمين التغطية الإعلامية المكتسبة. وهو ما يمكن تحقيقه عبر عدة أنماط متنوعة من المحتوى، بدءاً من المقالات الافتتاحية وصولاً إلى مشاركات الضيوف والرسوم البيانية "الإنفو غرافيك"، والقائمة تطول.

الأصالة ومحتوى المستخدمين: في ظل تنامي الحملة العالمية المطالبة بالمزيد من الشفافية التي ينبغي إبداؤها من قبل الجهات النافذة، هناك دعوة بالمقابل تطالب بإشراك آراء المزيد من الأشخاص "الحقيقيين" (الجمهور)، وتقبل النصائح والمشورة حول المنتجات والخدمات من قبل المستهلكين، واستماع الشركات لهذه الآراء مباشرةً. فجل الأمر يتعلق بالعنصر البشري، والمصداقية، والأصالة لضمان ولاء وثقة ومشاركة العملاء. ولكوننا مسوقين، يتوجب علينا إبداء قدر أكبر من الإبداع في تصميم مفاهيم الحملات الترويجية. فعلى سبيل المثال، بإمكاننا تحقيق المستوى المطلوب من الإبداع بالاستفادة من المحتوى الأصلي، وبالتالي تمكين المعجبين من المشاركة بنشر رسالة الشركة كونهم يشعرون برغبة بإرساء شراكات نافعة مع الجهات النافذة. كما يتوجب علينا إرساء علاقات واستثمارات استراتيجية مع الجهات النافذة، الذين يجسدون قيم ومفاهيم شركاتهم/تجاربهم الشخصية، ويتمتعون بعلاقة قوية وحقيقية مع متابعيهم.

الفيديو: تتربع آلية العرض بمقاطع الفيديو على عرش خيارات استعراض المحتوى المنشود، ويعزى ذلك لسهولة استخدامه من حيث توفره بعدة أنماط وتنسيقات وأطوال، وقدرته على إيصال الرسائل المعقدة بسرعة خلال ثوانٍ عدة فقط، ما يحقق مستوى المشاركة المطلوب بنجاح، وبأدنى مستوى من الالتزام. إلا أن التحدي الرئيسي في هذا الخيار يكمن في إنشاء محتوى فيديو جذاب بكفاءة عالية، فالأمر يتطلب وقتاً طويلاً ومهارةً وموهبةً، إلى جانب استخدام المعدات المناسبة.

وتقوم المنصات الرائدة مثل Lumen 5 بتبسيط عملية الإنشاء هذه لأي مسؤول اتصالات متمرس يتطلع إلى طرح عرض خدمة لإنشاء محتوى فيديو ديناميكي، فمنصة Lumen 5 تحتوي على ميزة رائعة تتيح للمستخدم إمكانية مسح البيان الصحفي، ومن ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء فيديو كامل وشامل يستند على المحتوى المقدم خلال ثلاث دقائق فقط. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أدوات وبرامج معالجة الفيديو تعمل على تبسيط آلية إنشاء المحتوى بكلفة أقل بكثير مما يتطلبه إنشاء المحتوى من قبل استوديو إنتاج متخصص، كما أنها توفر وصولاً سريعاً وسهلاً لمسؤولي العلاقات العامة إلى الأدوات الفعالة، القادرة على إنشاء محتوى يتردد صداه بين جماهير العملاء، ويتفاعل معهم.

المدونة الصوتية: يعكس تقديم المحتوى الصوتي على شكل حوار حقيقي أثراً كبيراً عند رغبتك التعريف عن نفسك كرائد ومفكر. وتتنامى موجة المدونة الصوتية في ظل استمرار تواصل المستمعين مع المتحدثين، والتطرق إلى المواضيع المطروحة أثناء الحركة والتنقل، لأن إعطاء الفرصة لإبداء الرأي بشكل مسموع كضيف على قنوات المدونة الصوتية هي وسيلة بالغة التأثير، كما أنها ستساهم في تحقيق أهدافك التسويقية. ولهذا السبب، ينبغي أن تحظى المدونة الصوتية بالأولوية ضمن قائمة حملات الترويج التي يصممها مسؤولي التواصل. وتشير البيانات والرسومات التقنية للمستهلكين الصادرة عن منصة Forrester Analytics إلى قضاء المستهلكين أكثر من 3 ساعات أسبوعياً في الاستماع لمحتوى المدونات الصوتية، وأن 45 بالمائة منهم يزيد دخلهم السنوي عن 250,000 دولار. لذا، عليك الحصول على مدونة صوتية آمنة خاصة بك كي تتمكن من إسماع صوتك للجميع، فضلاً عن كونها وسيلة اتصال ذات أولوية وقادرة على جني عوائد مجزية على الاستثمار.

الأدوات الرقمية: بنهاية اليوم، ستلمس أن عوائد الاستثمار من الاستثمارات الاستراتيجية المخصصة للبرامج والأدوات الجديدة، والمتاحة على نطاق واسع، هائلة. وبتحقيق هذا الأمر، سيتمكن مسؤولي العلاقات العامة من تعزيز قدراتهم، وتبسيط العديد من الإشكالات التي تواجههم، ودفع مسيرة نجاحهم ونجاح عملائهم، فالاستثمار في هذه الأدوات والبرامج سيضع العالم الرقمي في متناول أيديهم.

وسواءً كان الأمر يتعلق بإتقان عمليات التحليل، أم بتحسين مستوى إنشاء المحتوى، أو بتبسيط إدارة وسائل التواصل الاجتماعي، ينبغي على مسؤولي العلاقات العامة مواجهة التحديات وجهاً لوجه، وهو ما توفره الأدوات والبرامج الرقمية في وقتنا الراهن، وذلك عبر تقديم حلول سهلة الاستخدام لمعالجة التحديات اليومية. كما أن هناك منابع هائلة من الموارد المتاحة في يومنا هذا، ينبغي على كافة مسؤولي التواصل تبنيها، وبشكل كامل.


سوسن غانم المؤسس الشريك، والمدير الإداري في شركة آكتيف للتسويق والتواصل الرقمي