ينتشر في قطاع الأعمال اعتقاد خاطئ عفا عليه الزمن بأن المرأة يجب أن تصحح أسلوبها في العمل لتحقيق النجاح، وأنها تحتاج إلى التوجيه والإرشاد لتعزيز ثقتها بنفسها، وإلى امتلاك دافع أكبر ومهارات قيادية أكثر لتتكيّف مع بيئة العمل.

ويستند هذا الاعتقاد إلى مجموعة من القيم والمبادئ القديمة التي لم تعد صالحة لعصرنا الراهن، فقد شهد العالم تطوراً كبيراً عجزنا عن مواكبته على النحو الأمثل. ويرتبط هذه الاعتقاد على وجه التحديد بالمناصب الوظيفية التشغيلية والفنية، حيث يهيمن الذكور على الأدوار القيادية في الشركات والمؤسسات.

وتأتي هذه المناصب الوظيفية بأشكال مختلفة يتمثل أكثرها شيوعاً في الاستعانة بمصادر خارجية عبر التعاقد، مثل الأدوار الوظيفية المرتبطة بالتعاقدات، والهندسة، والأصول، والتجارة، والعمليات التشغيلية.

وأشار بحثنا إلى أن النساء يشغلن حالياً 20% فقط من الأدوار الوظيفية التشغيلية. وتميل النساء إلى شغل الأدوار التي تتمتع بجوانب فنية أقل، على افتراض أنهن أكثر ملاءَمة للتعامل مع العملاء وفي الخدمات الفكرية. إلا أن هذا الوضع يعتبر غير مقبولاً، ويجب العمل على الارتقاء بدور المرأة في بيئة العمل.

وثمة أسس منطقية قوية تدفعنا للاعتقاد بقدرة المرأة على تحقيق النجاح في الأدوار الوظيفية التشغيلية، وكيف يمكنها تحويل هذه الأسس إلى مزايا حقيقية تستفيد منها في ارتقاء المناصب الوظيفية العليا. ويتعين علينا كمدراء تحمل المسؤولية وتزويد النساء بالفرص والمنصات والوسائل لتحقيق هذا الهدف.

وللتشجيع على هذا التوجه، وتجنّب المبادرات الزائفة التي توظف النساء بهدف تحقيق شروط التنوع في الطاقم الوظيفي لا أكثر؛ فإنه يتعين علينا أولاً الارتقاء بسوية الوعي والثقافة، والبدء بمراجعة المنهجيات المتبعة في مواقع العمل. وينبغي للتحول المنشود أن يتحقق عندما تكون المرأة قادرة على شغل المزيد من الأدوار القيادية، ما سيفضي إلى إحداث تغيير جوهري في طريقة عملنا.

قضية التنوع
يمتلك التنوع في القوة العاملة تأثيراً كبيراً على العمليات، إذ يسمح بتهيئة ثقافة عمل متنوعة تمتاز بخبرات وأفكار مختلفة تثري سير العمل. ولا شك أن الجمع بين أنماط القيادات المتنوعة يُفضي إلى اتخاذ قرارات أفضل وتحقيق إنجازات أكثر نجاحاً في إطار السعي لتحقيق أهداف العمل.

ونتطلع في شركة سيركو لإنشاء ثقافة عمل أكثر تنوعاً وشمولية. وتتيح الأدوار الوظيفية التشغيلية في سيركو الفرصة أمام موظفينا لاختبار الجوانب المختلفة في الشركة ليصبحوا من القادة المتمرسين ذوي الخبرات الشاملة. وبدءاً من إدارة الموظفين من خلال عقود العمل وقيادة فرق العمل الكبيرة، ووصولاً إلى حل المشكلات والتواصل مع الكثير من أصحاب المصلحة؛ يمكن للموظفين اكتساب الخبرات بشكل مباشر للمساهمة بإحداث فارق إيجابي حقيقي بالنسبة للحكومات ورؤى التحول الوطنية التي تنتهجها.



إطلاق الحوارات
يشكّل تجاهل حالات عدم المساواة وإنكار وجودها العقبة الأساسية أمام تحقيق التغيير المنشود. وبهدف مواجهة النسب المئوية المنخفضة للنساء في الأدوار التشغيلية، قمنا بإطلاق حملة "الشمولية الإنسانية"، والتي تهدف إلى الارتقاء بسوية وعي زملائنا حول تجارب عدم المساواة والإقصاء التي تعرضوا لها وتأثيراتها عليهم. فعند إحداث نقطة تحول في وعي الموظفين، وتمكينهم من إدراك التداعيات الشخصية لتلك التجارب على زملائهم؛ يمكننا أن نبدأ بعملية التحول الحقيقي في ثقافة العمل.

برامج النمو الوظيفي
يمكننا تسريع عملية التغيير المنشود من خلال توفير الفرص التي تستفيد منها النساء والرجال بشكل عادل. ولتحقيق هذا الهدف، قمنا بإطلاق برنامج سنوي عالمي لتطوير القيادات تديره جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، والذي يهدف إلى بناء القيادات الواعدة. كما نضمن المشاركة العادلة والشاملة في البرنامج، ويما يفضي إلى تحقيق التنوع الحقيقي الذي يجسد هدفنا الدائم.

ويعد إضفاء الطابع الوطني عنصراً أساسياً في استراتيجيتنا. ويعتبر برنامج المسار من أنجح مبادراتنا الرائدة لتمكين الموظفين الإماراتيين الواعدين، حيث يهدف إلى تطوير مهارات القيادات المستقبلية من شركة سيركو. وشهد برنامج المسار مشاركة مجموعة واسعة من النساء الناجحات اللواتي حصلن على جوائز "بَلْس" المحلية والعالمية تقديراً لامتثالهن بقيم سيركو الرفيعة وتجاوزها. كما نتعاون مع الكثير من المؤسسات الأخرى، بما في ذلك وزارة الموارد البشرية والتوطين في دولة الإمارات وغرفة تجارة وصناعة دبي، بهدف تعزيز الشمولية ومشاركة أفضل الممارسات والتحسين المستمر لجهود التطوير.

تمكين عوامل النجاح
ثمة حاجة ملحة لتوفير بيئة حاضنة تساعد قوة العمل المتنوعة على تحقيق الازدهار، فقد شهدنا تحولاً متسارعاً في ثقافة العمل خلال جائحة كوفيد-19 أفضى إلى قبول نماذج العمل المرنة. ويشكل ذلك تحولاً مهماً عن النظرة القديمة والمتمثلة في أن الموظفين الأكثر نجاحاً هم الذين يعملون لفترة أطول في المكاتب على حساب حياتهم الشخصية والوقت الذي يمضونه مع عائلاتهم أو في ممارسة الأنشطة الترفيهية.

ولم يعد معيار النجاح هذا مجدياً بالنسبة للموظفين من الرجال والنساء، حيث تتلاشى حدود المسؤولية بين كلا الجنسين. ولذلك يتعين علينا الانتقال نحو نماذج عمل أكثر مرونة تتيح المجال أمام المزيد من النساء للوصول إلى النجاح، وتفسح المجال أمام الرجال لتحقيق التوازن بين العائلة والعمل؛ فالمساواة تعود بالنفع على الرجال والنساء على حد سواء.

التطلعات للفترة المقبلة
شهدت بيئة العمل في عالم ما بعد جائحة كوفيد-19 تغيراً ملحوظاً، ما يمثل فرصة مهمة للتوقف والتأمل والتفكير وتحقيق عملية التغيير المنشودة. وتبلغ نسبة النساء حالياً في فريق الإدارة التنفيذية لشركة سيركو 33%. وعلى الرغم من سعادتي بهذه النسبة، إلا أني أعتقد أن الطريق ما يزال طويلاً أمامنا لتحقيق التغيير الحقيقي وصولاً إلى مرحلة يصبح فيها هذا الموضوع منتهياً وخارج إطار النقاش.

وثمة حاجة لدفع مسيرة التغيير قدماً في كافة المستويات القيادية والوظيفية. وبدأت نقطة التحول في حياتي الوظيفية عندما منحني فيل مالم، الرئيس التنفيذي لشركتنا، الثقة لتبوء منصب قيادي. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أحصل فيها على هذه المكانة بفضل العقلية المنفتحة التي يتمتع بها مالم والتي جعلتني أتمتع بالمساواة ضمن فريق الإدارة الذي كان في ذلك الوقت حكراً على الرجال. وهو الأمر الذي أعطاني العزم على قيادة التغيير في الشركة ولا سيما فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين وتحقيق الشمولية. ولم يخبرني مالم بأني بحاجة إلى التوجيه والتدريب، أو أني لم أكن مناسبة تماماً لهذا الموقع [المخصص للرجال] كما قال لي القياديون الآخرون في السابق عندما طالبت بالحصول على منصب قيادي؛ وإنما منحني المنصة التي أحتاجها وأتاح لي فرصة النمو.

كما تستفيد النساء الأخريات ذوات الأداء المتميز من التزام قياداتنا الوظيفية بتوفير الفرص للمواهب والكفاءات للانتقال من الوظائف الداعمة التقليدية نحو الأدوار التشغيلية الفاعلة. وقد شهدنا مؤخراً انتقال إحدى زميلاتنا من منصب شريك أعمال التمويل إلى رئيس عمليات الشركة، ما مثّل خطوة غير مسبوقة في الشركات.

ويتعين علينا تشجيع الرجال على منح النساء المناصب القيادية تقديراً لإنجازاتهن. ونحتاج أيضاً إلى تشجيع الموظفات على اغتنام الفرص المتاحة في المناصب الفنية التي يهيمن عليها الرجال لدعم مسيرتهن القيادية كي يصبحن نماذج تحتذى للنساء في المنطقة. كما يتوجب علينا تقبّل أن الرجال والنساء بحاجة إلى المزيد من المرونة، وأن قضاء ساعات طويلة في المكاتب لا يعني بالضرورة زيادة القيمة والتأثير. ونحتاج كذلك إلى تغيير نظرتنا تجاه مفهوم النجاح لبلوغ الفرص التي لم تكن متوفرة من قبل.

والأهم من ذلك كله، هو أنه يتعين علينا بذل المزيد من الجهد في هذا الإطار، وأنه ينبغي علينا جميعاً الاضطلاع بالأدوار المناطة بنا كقادة للتأكد من مواكبة شركاتنا للتطور الحاصل في العالم. ولا يتعلق هذا الأمر بالكلمات التي نقولها، وإنما بأفعالنا التي نقوم بها يومياً كقيادات وظيفية. ولذلك ينبغي أن نشارك بفاعلية في تغيير العالم نحو الأفضل. فعندما نحقق المساواة الحقيقية بين الجنسين، يمكن للجميع تحقيق النجاح.

سامانثا رولز، مدير عمليات النمو والتمكين الوظيفي، شركة سيركو الشرق الأوسط

المصدر: markettiers