من المتوقع أن يتباطأ اقتصاد الشرق الأوسط من نسبة تقديرية قدرها 1.5% في العام الماضي، إلى حوالي 0.6% في 2019، وهو المعدل الأبطأ له تقريباً خلال عقد من الزمان. وأوضح معهد المحاسبين القانونيين في انجلترا وويلز ICAEW في أحدث تقاريره للرؤى الاقتصادية، أن التراجع في توقعات النمو لإجمالي الناتج المحلي في الشرق الأوسط يُعــزى إلى الركود الأكثر من المتوقع في إيران، أحد أكبر الاقتصادات في منطقة الشرق الأوسط. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، من المتوقع أن يقع العبء المرتبط بتحقيق النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل بشكل أكبر على القطاع غير النفطي في 2019. ويشكّل انخفاض أسعار النفط تحدياً لعدد من دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط والغاز لتحقيق التوزان في ميزانياتها العامة، لا سيما البحرين وعُمان.

ويوضح تقرير رؤى اقتصادية: الشرق الأوسط للربع الثاني 2019، الذي شارك في إعداده معهد المحاسبين القانونيين ICAEW و "أكسفورد إيكونوميكس"، أن التغيير العكسي لنمو إجمالي الناتج المحلي في الشرق الأوسط يعود للانكماش المتوقع لاقتصاد إيران بنسبة 7% في 2019. وتبدو الآفاق الاقتصادية لإيران متأزمة بشكل كبير، نظراً للعقوبات الأميركية الأكثر صرامة، وقرار الإدارة الأميركية الأخير بوقف منح الإعفاءات لشركاء استيراد النفط الإيراني، والذي بدأ سريانه في وقت مبكر من شهر مايو هذا العام.

وبحسب التقرير، ستشهد الدول المنتجة للنفط أيضاً في الشرق الأوسط نمواً محدوداً في قطاع النفط - المحرك التقليدي للنمو الاقتصادي والمصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية - على ضوء التمديد المرتقب لخفض الإنتاج حسب اتفاق "أوبك بلس" من أجل موازنة أسواق النفط الدولية. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط أسعار النفط حوالي 67 دولار أميركي للبرميل في 2019، منخفضاً بحوالي 5.6% من متوسط 71 دولار أميركي للبرميل في العام الماضي.

وفي 2019، سيستمر القطاع غير النفطي في حصوله على الدعم من مختلف المبادرات الحكومية المحفّزة للنمو، والميزانيات التوسعية، وخطط التحفيز المالي، خاصة في السعودية والإمارات، أكبر اقتصادين في دول مجلس التعاون الخليجي. ومن المتوقع أن يتسارع القطاع غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي من نسبة تقديرية قدرها 2.3% في العام الماضي إلى 2.6% في 2019. وفي الواقع، ترسم العديد من المؤشرات غير المباشرة للنشاط الاقتصادي صورة إيجابية، مع الاتجاه المتصاعد للائتمان المتاح للقطاع الخاص في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، في حين أن المتوسط الفصلي لمؤشر مدراء المشتريات (PMI)، وهو مقياس لازدهار القطاع الخاص، استمر في إظهار بعض التحسن خلال الربع الأول من 2019 في كل من السعودية والإمارات، مقارنة بالربع الأخير من 2018.

ويقول مايكل آرمسترونغ، المحاسب القانوني المعتمد والمدير الإقليمي لمعهد المحاسبين القانونيين ICAEW في الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا: "لا تزال الآفاق المستقبلية لاقتصادات الشرق الأوسط تواجه بعض التحديات خلال الفترة المتبقية من 2019، لا سيما مع الأهمية البالغة للتطورات العالمية بالنسبة للمنطقة. ولقد تدهورت توقعات النمو لاقتصادات الشرق الأوسط مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية خلال العام الماضي، بما في ذلك إيران على وجه التحديد. إن استمرار حالة الغموض وعدم اليقين في سوق النفط العالمية يعني أن زيادة الإيرادات غير النفطية يعد أمراً مصيرياً للاقتصادات الإقليمية - ولقد كانت الحكومات في المنطقة سبّاقة في هذا الشأن، ولكن عليها أن تواصل دعم اقتصاداتها بمبادرات محفّزة للنمو".

الاقتصاد العُماني يظل معتمداً بشكل كبير على قطاع النفط والإنفاق الحكومي
تبدو الآفاق المستقبلية للاقتصاد العُماني صعبة في 2019، خاصة مع القيود المفروضة على إنتاج النفط وتقلب الأسعار، مما أثر بصورة ملموسة على معدلات الدخل والآراء المتداولة. ولا يزال الاقتصاد العُماني في المراحل الأولى من التعافي، ومن المرتقب أن يشهد نمواً ضعيفاً ومتواضعاً بنسبة 2.8% هذا العام، منخفضاً عن نسبة 3.3% التقديرية في 2018، ولكن بزيادة عن نسبة تراجعه بمقدار 0.9% في 2017.

ويواجه كل من الطلب المحلي والتعاملات الاقتصادية الخارجية رياح معاكسة مستمرة، لا سيما وأن الأخيرة تستند في أساسها على العلاقات التجارية المتعثّرة بين أميركا والصين. ويؤدي الضغط المتجدد على أسعار النفط إلى تعقيد جهود الضبط المالي، حيث لا تزال السياسة العامة تسير باتجاه توسعي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الزيادة الكبيرة في إنتاج الغاز على مدار الـ 18 شهراً الماضية قد ساهمت جزئياً في تعويض الانخفاض في إنتاج النفط، مما خفف من تداعيات أداء القطاع النفطي.

ويقول محمد باردستاني، المستشار الاقتصادي لمعهد المحاسبين القانونيين ICAEW، والخبير الاقتصادي الأول للشرق الأوسط في مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس": "شكّل هبوط أسعار النفط ضغطاً كبيراً على عُمان في السنة الماضية - ولا تزال عوائد النفط تبلغ 60% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للسلطنة. لذا، هناك حاجة مُلحّة للتحسين في القطاع غير النفطي، ولقد كان لتأخير تطبيق ضريبة القيمة المضافة تأثيرات ملموسة على العجز المالي. ويجب على عُمان مواصلة جهودها في مجال التنويع الاقتصادي من أجل تحفيز النمو في منظومتها الاقتصادية".

ووفقاً لمعهد المحاسبين القانونيين ICAEW، لا يزال النشاط غير النفطي في عُمان فاتراً، لكن ينبغي أن يتحسن، مدعوماً بجهود التنويع الاقتصادي والإنفاق على البنية التحتية في إطار رؤية 2020.

ومع ذلك، فإن الاعتماد الشديد لميزانية القطاع العام على إيرادات الطاقة سيظل يحد من قدرة الحكومة على دعم الإنفاق والنشاط. ويتوقع التقرير نمواً أبطأ لإجمالي الناتج المحلي، ولكن مع عجز مالي أوسع نطاقاً هذا العام، مما سيؤدي إلى تراكم الديون الخارجية لأكثر من 50% من إجمالي الناتج المحلي. وعلى الرغم من زيادة الإنفاق الحكومي، يظل الطلب المحلي تحت الضغط، وينعكس ذلك في تباطؤ استخدام الائتمان المتاح للقطاع الخاص.

إن إدارة العجز الكبير لم يقدم الكثير لتعزيز فرص العمل للسكان المحليين. وعلى الرغم من وقف توظيف العمالة الوافدة، والذي امتد الآن ليشمل عدداً أكبر من المهن، فقد استحدث القطاع الخاص 13,444 وظيفة فقط للعمانيين في 2018، أي أقل من العدد المستهدف من الوظائف والذي يبلغ 25,000 وظيفة، فضلاً عن 5,780 وظيفة إضافية بين يناير وأبريل. وإلى جانب التقدم البطيء في معالجة عدم تطابق المهارات الأساسية، ستستمر ديناميكيات سوق العمل في تقييد الاستهلاك والتوقعات العامة خلال الأشهر المقبلة.

النمو الاقتصادي في البحرين سيتباطأ أكثر
لا تزال التوقعات المستقبلية لاقتصاد البحرين مُلبّدة بالغيوم بسبب الضعف المستمر للموارد المالية الحكومية، ويتضح ذلك من العجز المالي وارتفاع مستويات الدين العام، واحتياجات التمويل الخارجية الكبيرة، والتباطؤ العام في النشاط غير النفطي، والآفاق المحدودة لنمو قطاع النفط. وفي الواقع، نما الاقتصاد خلال العام الماضي بأبطأ وتيرة له منذ أكثر من عقدين من الزمان بنسبة 1.8% فقط. وتواجه الآفاق المستقبلية لهذا العام تحديات مماثلة، إذ من المتوقع أن يتباطأ الاقتصاد إلى 1.6%، متأثراً بتدابير ضبط الأوضاع المالية، وانخفاض أسعار النفط، والزيادة المتواضعة في الإنتاج. لكن من المرجح للإنفاق المستمر على المشاريع بدعم من الحزمة المالية الخليجية البالغة 10 مليارات دولار أميركي، أن يوازن التأثير الإجمالي على الاقتصاد.

وألقى التباطؤ الاقتصادي في العام الماضي بظلاله على مجموعة من القطاعات. وتراجع القطاع غير النفطي، الذي يستأثر بأكثر من 80% من إجمالي النشاط الاقتصادي، إلى النصف تقريباً وصولاً إلى 2.5% في 2018 من 4.9% في 2017. ومع أن التباطؤ كان على نطاق واسع، إلا أنه كان ملموساً أكثر في قطاع الخدمات، حيث تراجعت جميع القطاعات الفرعية عن معدلات 2017. ويتوقع التقرير أن يتباطأ النمو في القطاع غير النفطي أكثر في 2019 ليصل إلى 1.5%، متراجعاً بصورة ملحوظة إلى أقل من متوسط 4.4% بين 2014 و 2017، متأثراً بالعديد من تدابير ضبط الأوضاع المالية، بما في ذلك تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% في وقت سابق من هذا العام.

من ناحية أخرى، انكمش قطاع النفط بنسبة 1.1% في 2018، نظراً لعمليات الصيانة المجدولة مسبقاً خلال النصف الأول من العام الماضي، وكذلك التناقص التدريجي لإجمالي القدرة الإنتاجية في البحرين. وعلى نحو إيجابي أكثر، وفي أعقاب اكتشاف البحرين لأكبر حقل نفطي لها منذ العام 1932 في شهر أبريل من العام الماضي، من المحتمل أن تبدأ البلاد في إنتاج النفط الصخري بنهاية هذا العام، مع بدء حفر الآبار قبل بضعة أشهر حسب التقارير المُعلنة. ومع ذلك، من المرجح أن يظل الإنتاج بطيئاً وبوتيرة تدريجية، لهذا يُتوقع ارتفاعاً متواضعاً في نشاط القطاع النفطي بنسبة 1% فقط هذا العام.

ويقول محمد باردستاني، المستشار الاقتصادي لمعهد المحاسبين القانونيين ICAEW، والخبير الاقتصادي الأول للشرق الأوسط في مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس": "مع أن البحرين تمتلك الاقتصاد الأكثر تنوعاً في دول مجلس التعاون الخليجي، كانت 2019 سنة مليئة بالتحديات وسط انخفاض أسعار النفط، والإصلاح المالي الحكومي. إن الجهود المستمرة التي تبذلها الحكومة لمعالجة العجز المالي لها أهمية بالغة لدفع عجلة الاقتصاد. ونتوقع لتطبيق ضريبة القيمة المضافة، إلى جانب حزمة الدعم البالغة 10 مليارات دولار أميركي من دول مجلس التعاون الخليجي، أن تساعد على زيادة الإيرادات غير النفطية، وتعزيز الآفاق الاقتصادية للبلاد".

وعلى الرغم من أن الاقتصاد البحريني هو الأكثر تنوعاً في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تقل حصة النفط في إجمالي الناتج المحلي عن 20%، إلا أن العائدات النفطية لا تزال تهيمن بشكل غير متجانس على الموارد المالية الحكومية، حيث تشكل أكثر من 70% من إيرادات الحكومة. وتبلغ التوقعات الحالية لأسعار النفط 67 دولار أميركي للبرميل في 2018، أي حوالي 5.6% أقل من متوسط 2018 البالغ 71 دولار أميركي للبرميل. ولا يزال هذا أقل بكثير من نقطة التعادل المالي المقدرة في البحرين والتي تبلغ 113 دولار أميركي، وهي الأعلى بين أقرانها في مجلس التعاون الخليجي.

ومن المتوقع لحزمة الدعم التي تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار أميركي من دول مجلس التعاون الخليجي أن تساعد الحكومة على معالجة القصور المالي، ودعم بعض مشاريع البنية التحتية، وتحقيق التوازن للمسار الاقتصادي العام على المدى المتوسط. وتلقت الحكومة بالفعل الدفعة الأولى بقيمة 2.3 مليار دولار أميركي في أواخر العام الماضي، وتترقّب دفعة أخرى تبلغ 2.3 مليار دولار أميركي هذا العام.

المصدر: mojo-me

الأكثر قراءة

  • هذا الأسبوع

  • هذا الشهر

  • الجميع