السوق محكومة بالسلع ذات العرض الضيّق بينما تنتظر السلع الأخرى لحظتها المناسبة

لم تتضح الأمور بعد بشأن توجّهات النمو العالمي وتوقعات الطلب المستقبلية على السلع، مما دفع المستثمرين نحو الاستفادة من توقعات العرض في قطاعات مختلفة. ويتربّع النفط الخام على عرش النجومية في الأسواق حتى الآن بفضل تخفيضات الإنتاج الطوعية - والإلزامية في بعض الحالات - بينما أدت وفرة الإمدادات إلى بقاء العديد من الأسواق الزراعية الرئيسية تحت الضغط.
ويوضّح الجدول أدناه أداء فئات أصول مختلفة منذ عام وحتى الآن، فقد أدى الارتفاع المستمر في الأسهم العالمية والأصول ذات المخاطر العالية مثل سندات الشركات، فضلاً عن تجدد قوة الدولار (حتى الآن على أقل تقدير)، إلى تراجع جاذبية الذهب بالرغم من التحول المتشائم بشكل متزايد من البنوك المركزية العالمية.

وقد شهد المستثمرون الباحثون عن انكشاف عام للسلع عائدات شديدة التباين وفقاً للوسيلة التي اختاروها. ويمكن الوصول بسهولة إلى صناديق مؤشر السلع عبر الصناديق المتداولة في البورصة أو السندات متوسطة الأجل؛ وللمقارنة، قمنا بتسليط الضوء أدناه على اثنين من الصناديق الأكثر شيوعاً.

يتباين مؤشر ’بلومبرغ‘ للسلع الرئيسية ومؤشر ’ستاندرد آند بورز‘ للسلع في ’جولدمان ساكس‘ (S&P GSCI) بنسبة تتخطى 11%، ويرجع ذلك إلى اختلاف التكوين بين المؤشرين. وفي هذا الصدد، عجز مؤشر ’بلومبرغ‘ للسلع الرئيسية، والذي يتسم بالاتساع والتلاقي بين القطاعات، عن مضاهاة مؤشر ’ستاندرد آند بورز‘ للسلع في ’جولدمان ساكس‘ الذي يركز بشكل كبير على الطاقة.

ويمكننا أن نرى مدى تأثير الإمدادات الضعيفة على قطاعات مختلفة. وبالرغم من انخفاضه المستمر بنسبة 6% على أساس سنوي، فإن التضييق على إنتاج النفط الخام - لدوافع سياسية - عبر تخفيض الإنتاج الذي تعهدت به مجموعة دول ’أوبك بلس‘، والعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران وفنزويلا، أدى إلى ارتفاع أسعار خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت بنسبة وصلت إلى 40% حتى الآن هذا العام.

وفيما يخص المعادن، شهدت أسعار البالاديوم ارتفاعاً واضحاً على خلفية التوقعات باستمرار عجز السوق طوال عام 2019 جراء زيادة استخدام المحفزات الآلية والتطبيقات الصناعية الأخرى. وبدأ البلاتين باختبار رياح خلفية ناجمة عن الفارق الكبير مع البالاديوم، والخشية من اندلاع اضطرابات العمال في جنوب أفريقيا. وعلى مدار الأسابيع القليلة الماضية، تقلص الفارق بين المعدنين من قيمته القياسية عند 740 دولار إلى 530 دولار حالياً. وحظيت فلذات الحديد بالدعم نتيجة الكارثة التي تعرض لها سد البرازيل، وتوقف الإنتاج الناجم عن ذلك.

وتقود الحبوب عجلة القطاع الزراعي الذي ما زال مضطرباً بسبب وفرة العرض وقوة الدولار، وعدم وجود أي علامات خطيرة بشأن الطقس الربيعي مما قد يؤثر على مستويات الإنتاج الحالية والمستقبلية. وقد وصلت المضاربة في المحاصيل الرئيسية إلى مستوى قياسي يمكن أن يحد من نطاق إجراء مزيد من عمليات البيع في الصندوق.

ويبرز قطاع اللحوم مع الارتفاع الكبير في حجم الطلب على لحم الخنزير من الصين، والذي أدى إلى ارتفاع أسعاره وازدياد الاهتمام بالمضاربة. وبحسب التوقعات، يمكن أن يدفع الانخفاض الكبير في حجم قطيع الخنازير الصينية الناجم عن تفشّي حمّى الخنازير الأفريقية إلى الحفاظ على دعم الأسعار الأمريكية خلال الأشهر المقبلة، بالتوازي مع ارتفاع الطلب على الصادرات. وفي حال تم التوصل إلى اتفاق تجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، يمكن أن تتلاشى الآمال بالارتفاع المرتقب لأسعار فول الصويا، حيث ينكمش الطلب على الأعلاف المصنوعة من فول الصويا جرّاء انخفاض عدد الحيوانات التي تتغذى عليها بمقدار عدة ملايين رأس.

ويبيّن الجدول أدناه وضع صناديق التحوّط عبر العقود المستقبلية الرئيسية المُقاسة بعدد العقود (العقد الواحد يساوي 1000 برميل من النفط، 100 أونصة من الذهب و5000 بوشل من الذرة، على سبيل المثال). ويبدو اختلاف الأداء واضحاً مع وجود صفقات شراء مرتفعة للنفط الخام والبلاتين واللحوم، بينما ظهرت مراكز البيع على المكشوف في العديد من السلع الزراعية.

وبدأت تداولات الذهب والفضة بالتقلّب بين مراكز البيع والشراء، حيث ظهرت المراكز الحالية للبيع على المكشوف على خلفية انخفاض الطلب الناجم عن الارتفاع المستمر في الأسهم والقوة الأخيرة للدولار.

واتخذ النفط الخام وضعاً دفاعياً في نهاية الأسبوع، لكنه حافظ على توجهه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية للمرة الخامسة على التوالي. وبدعم من روسيا، وفر التوجّه المستمر لـ ’أوبك‘ نحو تقليص الإنتاج الدعم الأساسي لأسعار النفط الخام منذ ديسمبر؛ ولم يكن أمام المتداولين إلا مسوّغات قليلة تبرّر انحرافهم عن هذا التوجه. وجاءت آخر خطوات الارتفاع بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عزمها عدم تمديد إعفاء ثمانية مشترين من العقوبات المفروضة على استيراد النفط الخام الإيراني في نوفمبر الماضي بعد 4 مايو. وتسعى واشنطن من خلال ذلك إلى إزالة كاملة للنفط الإيراني من الأسواق العالمية.

وتراجعت التوقعات حول قدرة المملكة العربية السعودية وغيرها على تعويض النقص بسرعة كافية لتجنب حدوث طفرة كبيرة في السوق عندما أخطأت السعودية في تقديراتها للإعفاءات في نوفمبر، مما دفعها لاعتماد منهجية الانتظار والترقب. وفيما تبدو السوق في وضع جيد خلال هذه المرحلة من وجهة نظر الوكالة الدولية للطاقة وإدارة معلومات الطاقة وأوبك، عادت السوق للارتفاع مجدداً بناء على توقعات ما قد يحدث خلال الأشهر المقبلة، تماماً كما جرى في أكتوبر الماضي.

ويبقى التفاؤل سيّد الموقف حيال التوقعات المستقبلية. وستبقى السوق معرّضة لنكسات فنّية إلى أن تبدأ العوامل الأساسية بالتجلي على الأرض لدعم الأسعار الحالية التي قد تكون مرتفعة.

وساهمت الشكوك التي ظهرت وسط مقاومة العديد من المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني (وأبرزهم الصين) والتقرير الأسبوعي المتشائم للأسهم الأمريكية، في تشكيل بعض عمليات جني الأرباح في نهاية الأسبوع. ويشير الشريط الأسبوعي نحو بعض نقاط الضعف الفنية الإضافية مع وجود الدعم عند 72 دولار للبرميل، تليه عودة التركيز على سعر 70 دولار للبرميل.



واستردّ الذهب جميع مكاسبه لهذا العام حيث كافح وسط تلاشي الملاذ الآمن والطلب على التنويع من المستثمرين الذين يركزون بدلاً من ذلك على ارتفاع الأسهم وقوة الدولار. كما شهدت هذه التطورات دعماً يتحدى الأسعار عند 1275 دولار للأونصة، واضطر المضاربون - مثل صناديق التحوّط - للعودة إلى صافي مراكز البيع على المكشوف.

ومع ذلك، نجح المعدن الأصفر في خوض معركة ضد الرياح المعاكسة المتعددة التي اعترضته، ولا سيما المخزونات. وسجلت الأسهم التي يقودها مؤشر ’ناسداك‘ رقماً قياسياً جديداً، ووصل الدولار إلى مستوى مرتفع جديد خلال العام مقابل سلة واسعة من العملات، وهو الأعلى خلال 10 أشهر مقابل اليورو.

وفي مقابل هذه التطورات، وجد الذهب بعض الدعم الأساسي من الإجراءات التي نشهدها حالياً في البنوك المركزية حول العالم. وبغض النظر عن توجّهها المتشائم بشكل متزايد مع التركيز على التحفيز بدلاً من التشديد، فقد قامت تلك البنوك بشراء الذهب العام الماضي بوتيرة هي الأسرع منذ عام 1971.
ويبدو أن موجة الشراء هذه ستستمر مع انضمام البنوك المركزية للهند وكازخستان وهنغاريا إلى المساعي المستمرة لكل من روسيا والصين وتركيا نحو فك ارتباط احتياطاتها مع الدولار، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن مجلس الذهب العالمي.

وستبدو ملامح التوجه الذي سيتخذه الذهب على المدى القصير بناء على قدرته على خوض معركة ناجحة ضد بائعي مراكز البيع على المكشوف الذين يبحثون عن امتداد هابط نحو 1250 دولار للأونصة. وتركت السوق عرضة لتغطية مراكز البيع على المكشوف جراء الفشل في اختراق هذه القيمة المنخفضة خلال هذا الأسبوع. ولا نتوقع أي انتعاش أقوى دون دعم من انخفاض الأسهم، وليس أقلها الدولار. وما زالت توقعاتنا داعمة للذهب مع انخفاض أسعار الدولار، لكننا لا نتوقع حالياً أن تتكشف مثل هذه الخطوة قبل النصف الثاني من العام.

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك