تعرّض قطاع السلع الأساسية الأسبوع الماضي لموجة واسعة من الخسائر. وتصدّرت السلع التي تركز على الصين الانخفاض جرّاء المخاوف بشأن النمو في أكبر دولة استهلاكية في العالم. ومن منظور قصير الأمد، يثير الانتشار المتواصل للمتحوّر دلتا من فيروس كورونا مخاوفاً قد تدفع نحو إغلاق احترازيّ مؤقت، والحدّ من التنقل في عدة اقتصادات رئيسية في العالم.

وعلى رأس التأثيرات المعاكسة، ظهرت ترجيحات عودة بنك الاحتياطي الفيدرالي المبكرة أكثر من التوقعات إلى نظام التشديد، ما يساعد في ممارسة ضغوطات متزايدة على الدولار، ويخفّض بالتالي جاذبية الاستثمار في الأسواق.



وفي آسيا، تدقّ أسواق الأسهم في كوريا الجنوبية والصين ناقوس الخطر، حيث لامس مؤشر كوسبي 200 أدنى مستوياته منذ يناير، بينما تراجع مؤشر CSI 300 هذا العام بنسبة 9%. وتتسبّب الحملة الصينية ضد شركات التكنولوجيا والأولويّات المتغيّرة، بما فيها القانون الجديد لخصوصية البيانات، في انعكاس التدفقات المالية العالمية من آسيا إلى مناطق أخرى ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، ما يساعد في تفسير المستويات شبه القياسية بالرغم من عدم وضوح الآفاق الاقتصادية.

ووسط مخاوف من تبعات المتحوّر دلتا والتشدد في الولايات المتحدة، قد يعيق تراجع الرغبة في المخاطرة حركة الانتعاش العالمي، ما سيدفع مؤشر بلومبيرج للدولار الفوري نحو أكبر مكاسب أسبوعية له في شهرين، وأعلى مستوياته منذ نوفمبر. وأثارت هذه التطورات معاً شكوكاً بشأن توجّه السلع على المدى القريب، ويبيّن جدول الأداء كيف نجحت سلعتان فقط في تجنّب التعرّض للأضرار خلال الأسبوع الماضي. وتعويضاً لجزء من قوّة الدولار، تراوحت عائدات سندات الخزينة الأمريكية بين الاستقرار والانخفاض استجابة لانخفاض أسعار السلع الأساسية، ما خفّف الضغوط التضخّمية وطرح التساؤل الهام حول حقيقة تجاوز الاقتصاد العالمي – بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية – لـ "ذروة النموّ"، وبالتالي تخفيض مسار ارتفاع أسعار الفائدة في المستقبل.

أسعار الشحن باستخدام الحاويات: تواصل تكاليف شحن البضائع باستخدام الحاويات، ومنها العديد من المواد الخام، الارتفاع في جميع أنحاء العالم. وخلال هذا الأسبوع، وصل مؤشر دروري العالمي المركّب للشحن بالحاويات إلى 9,600 دولار أمريكي للحاوية قياس 40 قدم. ويُشتق المؤشر من تكاليف شحن حاوية عبر الطرق الرئيسية من آسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة، وعبر المحيط الأطلسي. وفي الوقت الراهن، يتخطى المؤشر المعدل المتوسط لخمس سنوات بمقدار ستة أضعاف، ويسلّط الضوء على التحديات المستمرة عبر سلسلة التوريد العالمية.

وخلال الأسبوع الماضي، شهد الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية الارتفاع الأكبر، حيث ازدحمت أكبر بوابة تجارية مع آسيا بسفن الحاويات الواردة، ما أخّر مواعيد عودتها وتوفّر الحاويات في أماكن أخرى. وأدت الأزمة الصحيّة العالمية إلى بقاء ميناء نينغبو تشوشان الصيني، ثالث أكثر موانئ العالم ازدحاماً بحركة شحن الحاويات التجارية، مغلقاً بشكل جزئي لفترة طويلة.


المعادن الثمينة: تمكّن الذهب من الاعتماد على المؤشرات الفنية القوية من الأسبوع السابق عندما تحقق ارتداد قويّ في أعقاب الانهيار المتزايد والمدفوع بالعائدات، وعانت الفضّة من تأثيراتٍ سلبية نظراً للضعف العام في المعادن الصناعية. وبالرغم من قوّة الدولار، انطلق الدعم النسبي للذهب من الطلب على الملاذ الآمن، والذي نجح في الحفاظ على انخفاض عائدات السندات - باستثناء الذهب - حتى مع زيادة خطر التشدد المشار إليه في الاجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للأسواق المفتوحة.

وقد تصل السوق إلى نتيجة مفادها أن التحوّل المستند إلى الفيروس في توجهات المستهلكين منذ هذا الاجتماع قد يدفع اللجنة للتفكير مرّتين قبل التأكيد على سياسة التشدّد. وظهرت حالة شبيهة هذا الأسبوع في نيوزيلندا، حيث جدّدت أزمة كوفيد-19 الصحيّة إجراءات الإغلاق الاحترازي، وألغت القرار المتوقع من بنك الاحتياطي النيوزيلندي لرفع سعر الفائدة.



ولا تزال التوقعات قصيرة المدى تواجه تحدياتٍ بسبب ارتفاع مخاطر العوائد وأسعار الدولار قبل الاجتماع المرتقب يوم 27 أغسطس في جاكسون هول لمحافظي البنوك المركزية؛ وهو الملتقى السنوي الذي استخدم سابقاً لتوجيه مؤشرات حول تغيّر السياسات أو الأولويات إلى السوق. وجاءت استجابة المضاربين على هذه التأثيرات المعاكسة على شكل إجراءات تخفيض كبيرة لمراكزهم من صافي عقود الشراء المجمّعة في العقود الآجلة المتداولة في بورصة شيكاغو التجارية. وتراجع صافي عقود الشراء المجمّعة بنسبة 52% إلى 5.1 مليون أونصة في الأسبوع المنتهي بتاريخ 10 أغسطس. واستند هذا التراجع إلى انخفاض بمقدار 2.6 مليون أونصة في إجمالي عقود الشراء، بينما قفزت عمليات البيع على المكشوف بمقدار 2.9 مليون أونصة نحو أعلى مستوياتها في 26 شهراً. وللضغط على مراكز البيع حديثة التشكّل هذه، وليستعيد الذهب قوته من جديد، ينبغي أن تتخطى أسعار أونصته عتبة 1830 دولار أمريكي.

انهارت أسعار النحاس عالي الجودة إلى أقل من 4.2 دولار، حيث أصبح مستوى الدعم الرئيسي التالي 3.77 دولار

المصدر: مجموعة ساكسو

انخفض النحاس نحو أدنى مستوياته في أربعة شهور، حيث يستقطب الهبوط الذي يقلّ عن عتبة الدعم في منطقة 4.2 دولار عمليات بيع جديدة في مراكز بيع تكتيكية على المكشوف. وشهدت تداولاته قيمة أقل من 4 دولار أمريكي للرطل قبل نجاحه في تحقيق انتعاش بسيط قبل عطلة نهاية الأسبوع. وتأثّر المعدن إلى جانب خام الحديد، والذي يعد أكثر السلع الهامة في الصين، جرّاء الضعف الأخير في البيانات الاقتصادية الصينية، وأزمة كوفيد-19 الصحية وارتفاع الدولار. وفي ظل تدهور التوقعات الفنية قصيرة الأجل، والانخفاض المحتمل للسعر إلى 3.77 دولار للرطل، لا تزال توقعاتنا المتفائلة بارتفاع أسعار النحاس قائمة على المدى البعيد. ويبدو ذلك جلياً في التوجّه العالمي الواضح نحو التحوّل الأخضر، والذي يتوقع أن يؤدي بمرور الوقت إلى نشوء سوق متشدّدة بشكل متزايد. ولمواجهة التأثيرات المعاكسة المذكورة، ينبغي ألا ننسى التهديدات التي يحتمل أن تتعرض لها الإمدادات من إجراءات الإضراب في تشيلي، أكبر منتِج في العالم.

وتراجع خام برنت نحو الحد الأدنى من النطاق بين 65 دولار و75 دولار، وهو ما قد نشهده خلال الفترة المتبقية من العام. ونتوقع خطورة أقل للتراجع دون هذا النطاق وسط توقعات بأن تتدخل أوبك وأصدقاؤها للإعلان عن تدابير لدعم السوق، ربما من خلال تأجيل الزيادة المتفق عليها للإنتاج حتى توضّح الصورة بالنسبة للطلب. واتخذ النفط الخام موقفاً دفاعياً هذا الشهر منذ بدأت حالات الإصابة بـ كوفيد-19 بالازدياد في الصين والولايات المتحدة الأمريكية، ما أدى إلى عدم وضوح توقعات الطلب في أكبر مستورد ومستهلك للنفط الخام في العالم.

وفضلاً عن المخاطر الحالية للأسعار، وبعيداً عن مخاوف الطلب والمستوى العام للمخاطر التي تدفع الدولار نحو الأعلى، أظهرت البيانات الأسبوعية من وكالة معلومات الطاقة أن الحفارين الأمريكيين، وردّاً على ارتفاع الأسعار في وقت سابق، يضخون القسم الأكبر من النفط الخام في عام. وإضافةً للتباطؤ الموسميّ المتوقع في الطلب، والمدعوم بارتفاع أعداد المصابين بـ كوفيد-19، تبدو السوق فجأة أقل تشدداً من التوقعات قبل بضعة أسابيع فقط.

المصدر: مجموعة ساكسو

بقلم أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك


المصدر: actionprgroup