شهد قطاع السلع ارتفاعاً للأسبوع الثاني مع توجّه مؤشر بلومبرج للأسعار الفورية نحو مستوى إغلاق جديد هو الأعلى منذ عشر سنوات. وخلال الشهور الثلاثة الماضية، اختبرت معظم المؤشرات التي تتبّع السلع تداولات جانبية في ظلّ قوّة الدولار وتراجع التركيز على الانكماش ومخاوف التباطؤ في الصين إلى جانب تأثيرات المتحوّر دلتا، ما أثار بعض التساؤلات حول قوّة الانتعاش العالمي. وبعد تصحيح هامشيّ بنسبة 5%، وجد المؤشر المذكور قوّة متجدّدة تصدّرها النموّ والقطاعات المعتمدة على الطلب في مجالات الطاقة والمعادن الصناعية.

ويسلط ذلك الضوء على استمرار الطلب في السوق بحدود تتخطّى المستثمرين الماليين أو مستثمري الأسهم والسندات إلى المستخدمين النهائيين الذين يدعمون الأسعار عبر الحفاظ على توقعات عرض وطلب العديد من السلع الأساسية والمتشدّدة بشكل معقول. كما انطلقت مبادرات التحول الأخضر، وهو ما يعتبر من الأسباب الرئيسية لتوقّعاتنا بارتفاع الأسعار في القطاع. وبعد عدة شهور مليئة بالتحديات من حيث الأحوال الجوية في جميع أنحاء العالم، تتسارع التوجهات الحكومية نحو الحدّ من الانبعاثات الكربونية في اقتصاداتها، ما قد يؤدي زيادة التشديد في مختلف الأسواق بالنسبة للعديد من المعادن الخضراء من النحاس والألمنيوم إلى الزنك والنيكل، إضافة للعديد من العناصر الأرضية النادرة والبلاتين والفضة.

وفي الوقت نفسه، قد يؤثر هذا التركيز سلباً على إقبال المستثمرين على الوقود الأحفوري والسلع الأخرى المسؤولة عن إصدار انبعاثات كربونية كثيفة، قبل سنوات من بداية التناقص التدريجي للطلب العالمي. وبالرغم من أرباحها المرتفعة جداً هذا العام، تأثّرت أسعار أسهم شركات التعدين في السوق الأوسع، ما يسلّط الضوء على الصعوبات التي يواجهها قطاع يحتاج للازدهار والنمو في وقت لم يعد فيه المستثمرون والبنوك قادرين أو راغبين بتقديم الدعم لأسباب مختلفة.

وبالعودة إلى التطورات قصيرة الأجل والمؤثرة في السوق، كان أيدا أول إعصار ضخم يضرب الولايات المتحدة الأمريكية هذا الموسم بدايةً بلويزيانا في وقت سابق من الأسبوع، ما تسبّب بفيضانات وانقطاع للتيار الكهربائي على نطاق واسع. وتأثر قطاع الطاقة بتوقف إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي في خليج المكسيك، واضطرت بعض المصافي إلى الإغلاق ما عطّل التدفقات المعتادة للنفط ومنتجات الوقود. وشهدت هذه المرحلة نقصاً في النفط الخام يقدّر بحوالي 1.7 مليون برميل يومياً، بينما يتوقع خروج حوالي 2 مليون برميل يومياً من طاقة التكرير عن الخدمة في منطقة ساحل الخليج.



وتلقى قطاع الغاز الطبيعي، الذي انتعش بقوّة في الشهور الأخيرة، مزيداً من الدعم بفضل الاضطرابات التي يحتمل أن تتعرض لها محطات تصدير الغاز الطبيعي المُسال على ساحل الخليج. وفي أوروبا، وصل معيار المركز الهولندي تي تي إف إلى مستويات قياسية عند 52.85 يورو لكل ميغاواط ساعي أو 18.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وحققت آسيا المستوى نفسه، واقترب المؤشر الياباني الكوري من مستوى 19 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية من يناير. وتلقّى القطاع دفعة كبيرة من تشديد الإمدادات العالمية الناجم عن قوة النمو الاقتصادي والطقس الحار وتراجع الإمدادات من روسيا في أوروبا. وتمثّلت النتائج في ارتفاع كبير لفواتير الكهرباء، وارتفاع مماثل لأسعار الفحم باعتباره حلاً بديلاً، ما انعكس على ارتفاع تكاليف تعويض انبعاثات الكربون.

وفيما تراجعت مخزونات الغاز في كل من أوروبا وروسيا، ما زالت احتمالات وقوع أزمة غاز في الشتاء تمثّل تهديداً حقيقياً للقطاع والمستهلكين الذين يسدّدون الفاتورة الحقيقية. وقد تلجأ بعض الشركات نحو تخفيض إنتاجها للحدّ من الطلب.


وتُعد الحبوب من القطاعات التي تأثرت سلباً بإعصار أيدا الذي تسبّب بإيقاف الشحنات من إحدى محطات التصدير الرئيسية على ساحل الخليج في الولايات المتحدة الأمريكية. وتراجعت أسعار الذرة نحو أدنى مستوياتها في ستة أسابيع، وسجّل فول الصويا أدنى مستوياته في يونيو. ووقع هذا الاضطراب في وقت سيء جداً نظراً لاقتراب موسم حصاد المحصولين، حيث يرسل المزارعون في الغرب الأوسط جزءاً كبيراً من محاصيلهم عبر نهر ميسيسيبي ليتم شحنها إلى جميع أنحاء العالم عبر خليج المكسيك. وتظهر بالفعل دلائل على مدى تأثر واردات الصين من فول الصويا، حيث تحوّلت طلبات الشحنات قصيرة الأجل إلى البرازيل. ويترقّب المستثمرون والمتداولون بقلق تقرير وزارة الزراعة الأمريكية الشهري للمحاصيل في 10 سبتمبر، والذي قد يقدم مراجعة صعودية بعد التراجع الأخير لمخاوف الجفاف في مناطق الزراعة الرئيسية.



وبعد تعافي الذهب الكامل من التوجه الهبوطي في مطلع أغسطس، شهد الذهب تداولات جانبية في الأيام الأولى من سبتمبر، فيما بذلت السوق جهدها لإيجاد زخم قويّ بما يكفي لتحدّي عتبة المقاومة الرئيسية عند 1835 دولار. وكان الأداء مخيّباً للآمال نوعاً ما مع تراجع تداولات العائدات الحقيقية في الولايات المتحدة الأمريكية المستحقة لمدة 10 سنوات إلى أقل من -1% قبل وبعد أسبوع من صدور تقرير الوظائف الأمريكية الشهري، ووصول الدولار إلى أدنى مستوياته في أربعة أسابيع. وبغضّ النظر عن المخاوف بشأن موعد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للتقليص، قد تتمثل إحدى الأسباب الأخرى في استمرار ارتفاع أسعار الأسهم العالمية ودوره في انخفاض الطلب على التنويع.

وبالرغم من احتمال بدء بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتقليص برنامجه الضخم لشراء السندات، ما زالت توقعاتنا متفائلة بشأن ارتفاع أسعار الذهب. ويستند ذلك إلى وجهة نظرنا باحتمال ضعف الدولار مع وصول الولايات المتحدة إلى ذروة النمو، وأن الأسعار الحالية للذهب تعكس بالفعل عوائد حقيقية أعلى يرجّح أن تصل إلى 25 نقطة أساس. وإضافة لذلك، يتوقع أن يُعيد الارتفاع المتجدد لأسعار السلع – وفي مقدّمتها الطاقة والمعادن الصناعية – التركيز على التضخّم.


المصدر: مجموعة ساكسو

وواصلت المعادن الاستثمارية الأخرى، مثل الفضة والبلاتين، تداولاتها الجانبية؛ وأقدمت الفضّة على محاولتين فاشلتين لإيجاد بعض القوة النسبية. وبصفتها انعكاساً لتكلفة أونصة واحدة من الذهب مقابل أونصة واحدة من الفضة، ونظراً لارتفاعها خلال شهري يوليو وأغسطس نظراً للمعاناة التي تعرّضت لها الفضّة، بذلت نسبة أسعار الذهب إلى الفضة جهدها للانعكاس نحو الهبوط في محاولات تم رفضها عدّة مرات عند 75. وقد يشير أي اختراق دون هذا المستوى إلى فترة تفوّق جديدة للفضة من حيث الأداء، ولا سيما في حال اختراق عتبة المقاومة الرئيسية 24.50 دولار.

واقتربت تداولات النفط الخام من أعلى مستوياتها في شهر واحد بعد أسبوع شهد تحسّناً مستمراً في التوقعات. وانتعشت الأسعار بقوّة بعد تصحيح شهر أغسطس المدعوم بضعف الدولار وتحسّن توقعات الطلب من الصين بعد عمليات الإغلاق الاحترازي الأخيرة المرتبطة بالفيروس، والانخفاض الكبير الآخر الذي تعرضت له الأسهم الأمريكية، مع إجراءات الإغلاق المؤقتة لعمليات الإنتاج. وقدّمت مجموعة المنتجين في أوبك بلس تقييماً متفائلاً بشأن توقعات الطلب على المدى القريب، ما دفع إلى المصادقة على إنتاج 400 ألف برميل آخر يومياً في أكتوبر. وحظيت الأسعار بدعم الدراسة الشهرية التي أجرتها بلومبرج حول إنتاج أوبك، وأظهرت تناقص حصّة نيجيريا وأنغولا المحدّدة الشهر الماضي بحوالي 400 ألف برميل يومياً، أو زيادة شهرية كاملة في أوبك بلس. ويسلط ذلك الضوء على مخاوف من صعوبة إعادة تنشيط الطاقة الفائضة على الورق، والتي تحتفظ بها أوبك بلس حالياً، بمجرد أن تستدعي الطلبات المتزايدة ذلك.

وخلال الأسبوع المقبل، تعتزم الصين نشر بياناتها التجارية لشهر أغسطس، بما في ذلك واردات النفط يوم الثلاثاء، بينما ستنشر وكالة معلومات الطاقة تقريرها عن توقعات الطاقة على المدى القصير يوم الأربعاء. وأدى انخفاض التركيز على الفيروس وتشديد الإمدادات وارتفاع الرغبة بالمخاطرة والقدر المنخفض من المضاربة إلى انحراف جديد لمخاطر السعر نحو اتجاه صعودي.


المصدر: مجموعة ساكسو

بقلم أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك


المصدر: actionprgroup


الأكثر قراءة

  • هذا الأسبوع

  • هذا الشهر

  • الجميع