قبل أيام وبينما كنت أتابع برنامج الخط المباشر على تلفزيون الشارقة، وصلت رسالة من أحد الأخوة المتابعين، للإعلامي حسن يعقوب مقدم البرنامج يشير فيها إلى أهمية دور الإحصاء وضرورة رفع وعي أفراد المجتمع بأثر ما يقدمونه من معلومات على خطط ومشاريع التنمية في الإمارة، مختصراً ذلك بتوصيف جميل قال فيه: بعد الإحصاء يأتي الخير.

على الرغم من أن هذا التوصيف لدور الإحصاء في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي الارتقاء بجودة حياة الناس ومستوى عيشهم، دقيق وصحيح جداً، إلا أن الكثير من الأفراد والعائلات يتساءلون باستمرار عن جدوى جمع معلومات دقيقة ومحددة، مثل عدد أجهزة التكييف أو التلفاز أو الثلاجات في البيت الواحد، أو عدد السيارات أو المركبات بشكل عام التي تقتنيها الأسرة، أو عدد غرف البيت والأفراد الساكنين فيه وفئاتهم العمرية ووظائفهم..

من ناحيتنا في دائرة الإحصاء والتنمية في الشارقة، نعتبر أن هذه الأسئلة مفيدة جداً ولا غنى عنها لتطوير عمل الدائرة وبرامجها سواء على صعيد آليات جمع المعلومات أو على صعيد التعريف بوظيفة عملية الإحصاء وأهميتها، وننظر لهذه الأسئلة والمقترحات التي يقدمها الجمهور بوصفها شراكة المجتمع في تطوير وتحسين عمل المؤسسات بشكل دائم، لذلك، فإن هذه الأسئلة حق طبيعي ومن واجبنا محاولة الإجابة عليها باستمرار.



مما لا شك فيه أن البيانات اليوم تقود العالم، بمجتمعاته واقتصاداته وحتى علومه، فلا يمكن لحكومة ما أن تضع خطة طويلة الأجل للمد العمراني وتوسيع شبكة الخدمات وتحسين البنى التحتية وتخطيط مستقبل الاقتصاد وقطاعاته ونوعيّة الوظائف التي تفرزها، بدون معلومات دقيقة عن التركيبة السكانية وممتلكاتها واحتياجاتها ومعدلات نموها.

فكيف يمكن للجهات الرسمية على سبيل المثال أن تقرر نصيب شبكات المياه والكهرباء من الميزانية الحكومية العامة، بدون معرفة مسبقة باحتياجات السكان لهذه الموارد في السنوات القادمة؟ وحتى تتمكن الجهات الرسمية من تأمين هذه الاحتياجات يجب أن تقف على معدلات استهلاك الأسر والمؤسسات والشركات والمصانع، ومن أجل تحقيق ذلك لا بد أيضاً من معرفة عدد الأجهزة المستهلكة للكهرباء وعدد سكان البيت الواحد قياساً بعدد الأجهزة، ومن هنا تستطيع الجهات المسؤولة قياس معدلات استهلاك الفرد، وإذا ترافق هذا بالسؤال عن عدد أفراد الأسرة الواحدة، تستطيع هذه الجهات أن تحسب بوساطة تحليل البيانات، معدلات نمو السكان وما يرافقها من معدلات نمو الحاجة للموارد.



إن أسئلة بسيطة مثل: كم فرد في المنزل الواحد؟ وكم عدد الأجهزة الكهربائية، وكم عدد كبار السن والمتقاعدين، تشكل في الحقيقة أساساً لتطور البنية التحتية بما فيها من شبكة للخدمات، وتحدد أيضاً عدد المدارس والجامعات ومراكز الرعاية الصحية التي يجب أن تكون جاهزة خلال مدة معينة يحددها تحليل بيانات السكان، إلى جانب أنها تقود سياسة الاهتمام بكبار السن والمتقاعدين وذوي الإعاقات وتوفير احتياجاتهم.

هذه أمثلة بسيطة، لكن بواسطتها يمكن قياس مدى أهمية جمع المعلومات لتحديد سياسات الحكومات، ونستطيع القول هنا، إن الحضارة والتقدم يقاسان اليوم بمدى معرفة الحكومات لاحتياجات السكان وبمدى قدرتها على توفيرها وتطويرها لتعيش المجتمعات بأمن واستقرار وازدهار، فيمكن لمعلومة صغيرة واحدة في زمن البيانات الضخمة وأدوات تحليلها أن تكون حاسمة في رفاهية مجتمع ما، لهذا: بعد الإحصاء، يأتي الخير.

مقال بقلم: الشيخ محمد بن حميد القاسمي، رئيس دائرة الإحصاء والتنمية المجتمعية في الشارقة


المصدر: nncpr


الأكثر قراءة

  • هذا الأسبوع

  • هذا الشهر

  • الجميع